الاثنين، 10 أكتوبر، 2011

بحث العرف وعلاقته بالقانون ـ إعداد علي محمد الزعابي

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

الأخوة الكرام زوار صفحتي المتواضعه أرحب بكم أتم ترحيب ، ويسعدني تقديم هذا البحث الذي قمت بأعداده أثناء دراستي لمساق مدخل لدراسة القانون وهو مساق تخصصي لكلية القانون في جامعة العين (( دولة الإمارات العربية المتحدة )) وأحببت أن يكون أول إساماتي في هذه المدونه هذا البحث ليستفيد منه رجال القانون في كافة أنحاء العالم وعبر هذا الأثير ، ورجائي الخاص من أخواني الكرام بالدعاء لي في ظهر الغيب ولجميع المسلمين ، والحمد لله رب العالمين

المقدمة

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين .

وبعد
         فإن موضوع العرف كثرت حوله الدراسات والبحوث في شتى بقاع الأرض منذ فجر التاريخ ، حيث أنه أقدم مصدر للقاعدة القانونية  عرفة الإنسانية ، فهو يقع في المرتبة الثالثة في سلم مصادر القاعدة القانونية الإماراتية كما نصت القاعدة القانونية المعروفة بذلك ، وكما أسلفنا أن العرف هو أول مصدر للقاعدة القانونية في البشرية حيث أنه قانون غير مكتوب ، ويرجع ذلك إلى ماتمليه ضرورات وحاجات الحياة في تلك المجتمعات البدائية ، فهو مصدر رسمي ومهم يضفي على القاعدة القانونية قوة الإجبار والإلزام وخصوصاً في تلك المجتمعات البدائية التي لا تعرف مصدراً أخر للقاعدة القانونية غير العرف .
وفي الحقيقة والواقع أني قد بحث كثيراً في كتب القانون ومصادره وبحثت كذلك في مجالات كثيرة عليَ أضيف شيئاً جديداً في هذا البحث المتواضع فلم أجد ، حيث أن جميع الباحثين القانونيين وغيرهم من المهتمين بالعرف قد اشبعوا الموضوع بحثاً وتنقيباً ، كما وأعتذر عن أي تقصير في هذا البحث  حيث أنه أول بحث لي في بداية مشواري القانوني في هذه الكلية العريقة ، ولا يفوتني في هذا المقام أن أتوجه بالشكر الجزيل لأستاذي الدكتور محمود عبد الحكم وذلك لتسهيل مهمة البحث وجمع المعلومات لجميع الطلاب في مساق المدخل لدراسة القانون (1) .

والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ منقول بتصرف من كتاب : المدخل لدراسة القانون ـ الدكتور محمود عبد الحكم ـ المكتبة العصرية ـ المنصورة ـ 2009.  


المبحث الأول
تعريف العرف
تمهيد
في هذا المبحث حاولت جاهداً أن أبحث عن معنى أو تعريف جديداً للعرف يضيف للدارسين أو المهتمين شيئاً لم يجدوه من قبل ، ففي التعريف الثالث والتعريف الرابع إضافات جديدة في لفظ التعريف مع أمثلة تقريبية من واقع الحياة والمجتمع.
التعريفات
أولاً:
يعتبر العرف من المصادر الغير مدونة للقانون ، ويراد به بصفة عامة ، مجموعة القواعد القانونية الناشئة من سلوك الأفراد أو السلطات العامة بخصوص أمر ما على نحو معين ، واطراد سلوكهم على هذا النحو ، مع اعتقادهم أن هذا السلوك ُملزم لهم ، ويشتمل هذا المصدر على القواعد العرفية الدستورية والإدارية وهي التي تنشأ عن سلوك السلطات العامة ، علاوة على القواعد العرفية الخاصة التي تنشأ عن سلوك الأفراد . (1)
ثانياً :
لفظ العرف له معنيان فقد يدل أولاً على القاعدة القانونية ذاتها غير المكتوبة والتي تنشأ عن اطراد الناس على سلوك معين في مسألة معينة على وجه محدد ، وقد يدل ثانياً على مصدر هذه القاعدة القانونية الغير مكتوبة ، والمعنى الثاني هو المقصود عن الحديث عن العرف دون تخصيص ، وبذلك يمكن القول : إن العرف بصفته مصدراً للقواعد القانونية ، هو اعتياد الناس واطرادهم على إتباع سلوك معين لدرجة الاعتقاد بأن هذا السلوك واجب الإتباع. (2)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ المبادئ الأساسية في القانون الإداري لدولة الإمارات العربية المتحدة ـ دراسة مقارنة ـ دكتور محمود سامي جمال الدين ـ الطبعة الثانية 1989ـ1990 ـ دار القلم صفحة 33 .
2ـ الموسوعة العربية ـ الأستاذ الدكتور محمد عزيز شكري ـ المجلد الثالث عشر ـ الطبعة الأولى 1998 ـ مؤسسة الصالحاني للطباعة والنشر ـ صفحة 132.


ثالثاً :
العرف هو العادات التي تعكس أفكار المجتمع عن الصواب والخطأ ، ويواجه الأفراد الذين ينتهكون عرف المجتمع الذي ينتمون إليه معارضه وعقاباً شديدين ، وعادة ما يوافق العرف التشريعات السماوية في أي دين حق كالإسلام وديانات أهل الكتاب الأصلية غير المحرفة إلا ما رفضته  هذه الديانات من أعراف معينه وأبطلتها ، ويعتقد معظم الناس أن صلاح مجتمعهم يعتمد على تقوية عرفه ، والعرف نمط من أنماط التفكير الشعبي ولكن لا يمكننا أن نعد كل تفكير شعبي في أهمية العرف بالنسبة لخير المجتمع ، ومن أمثلة التفكير الشعبي الأقل قوة ، والتي يعمل بها المجتمع ، تقاليد الزفاف والجنازات وآداب المائدة ، ويؤدي انتهاك مثل هذه الأنماط من التفكير الشعبي إلى رد فعل غير حاد مثل الدهشة أو الازدراء. (1)
رابعاً:
المقصود بالعرف بصفة عامة أن يتبع أفراد مجتمع ما أسلوباً معيناً في العمل أو التعامل وذلك بصفة مطردة ومتواترة ، وتتناقل الأجيال المتعاقبة هذا الأسلوب حاملاً في طياته الاعتقاد لدى الأفراد بقوته الملزمة ، شأنه في ذلك شأن القواعد القانونية المكتوبة تماماً ، وينشأ لدى الجماعة مع مرور الزمن ، نتيجة لإتباعهم أساليب معينة في عملهم أو تعاملهم عدة قواعد قانونية يطلق عليها أسم العرف.(2)






ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ الموسوعة العربية العالمية ـ المجلد السادس عشر ـ الطبعة الأولى 1996 ـ مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع ـ  صفحة 231 .
2ـ نظم الحكم ودستور الإمارات ـ الدكتور محمد كامل عبيد ـ الطبعة الثالثة 1998 ـ منشورات كلية شرطة دبي ـ صفحة 83.
المبحث الثاني
أركان  العرف

تمهيد
يقوم العرف عادة على ركنين هما : الركن المادي والركن المعنوي ، ولا خلاف في هذا الشأن بين العرف كمصدر من مصادر القاعدة القانونية في مجال القانون الخاص وبينه كمصدر من مصادر القانون الدستوري بوصفة أحد فروع القانون العام ، ولكن وجه الاختلاف يتمثل في الجهة التي يرجع إليها  السبب في نشأة العرف ، فبينما يعمل الأفراد في مجال القانون الخاص على نشأة العرف وذلك بإتباعهم أسلوباً معيناً في العمل والتعامل ، تقوم السلطات العامة في الدولة بإتباع قاعدة معينة في تصرفاتها إزاء مسألة دستورية ويطرد العمل في استخدام تلك القاعدة دون اعتراض من جانب المجتمع ، مما يكسبها صفة الإلزام ، ويؤدي ذلك إلى نشأة عرف مقرر لقاعدة قانونية من قواعد القانون العام . (1)
أولاً : الركن المادي
وهو يعني التكرار والعمومية والثبات والوضوح وفي مجال القانون الدستوري فإن هذا الركن يفترض اعتياد إحدى الهيئات الحاكمة التصرف على نحو معين في شأن بعض الموضوعات الدستورية ، ولا يمكن اكتساب هذا التصرف صفة القاعدة العرفية يتعين توافر عدة شروط أولها : تكرار هذا التصرف بمعنى أن القاعدة لا تنشأ من مجرد واقعة واحدة أو تصرف وحيد ، وإن كان هناك رأي في الفقه ذهب إلى أن العادة المتكررة ليست شرطاً لقيام العرف الدستوري وإنما يكفي في ذلك تصرف وحيد من إحدى السلطات الحاكمة ، والثاني أن يلقى هذا التصرف قبولاً لدى بقية الهيئات الحاكمة ، والثالث أن يكون هذا التصرف ثابتاً ومستقراً نتيجة لالتزام الهيئات الحاكمة باحترامه و التصرف بمقتضاه على نحو مطرد دون الخروج علية أو مخالفته ، وأما الشرط الرابع والأخير فيتعين أن يكون موضوع القاعدة التي جرى عليها العمل من المسائل التي تدخل في مجال القانون الدستوري ، أي من الموضوعات التي لها علاقة بتنظيم واختصاصات السلطات أو تمس حقوق الأفراد وحرياتهم . (2)


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ دكتور محمد كامل عبيد ، المرجع السابق ، ص 87 ـ 88 .
2ـ دكتور محمد كامل عبيد ، المرجع السابق ، ص88 .


ثانياً : الركن المعنوي
ويتمثل هذا الركن في اكتساب العرف صفة الإلزام . بمعنى أن يقوم لدى الجماعة الاعتقاد والاقتناع بضرورة احترام التصرف الذي جرى علية العمل بوصفها قاعدة قانونية ملزمة وإن هذا الاحترام لا مفر منه ، بل واجب مفروض عليها .
ولقد ثار الخلاف في الفقه حول ما إذا كان هذا الاعتقاد بضرورة الالتزام بتلك القاعدة يتعين توافره لدى السلطات الحاكمة أم ينبغي فضلاً عن ذلك ضرورة توافره لدى الرأي العام .
فذهب بعض الفقهاء إلى قصر ذلك على السلطات الحاكمة ، بينما ذهب البعض الآخر إلى ضرورة أن يتوافر هذا الاعتقاد لدى السلطات الحاكمة ولدى المحكومين على السواء. (1)










ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ دكتور محمد كامل عبيد ، المرجع السابق ، ص 89 .



المبحث الثالث
أنواع العرف
أشرنا فيما سلف أن العرف بوصفة مصدراً من مصادر القواعد الدستورية يحتل المكانة الأولى في الدول ذات الدساتير العرفية ، ومع ذلك فإن دوره أيضاً لا يقل أهمية في الدول ذات الدساتير المكتوبة ، ذلك أنه يقوم ـ إلى جانب الوثيقة الدستورية المسماة بالدستور ـ بمهمة تفسير ما اعتراها من غموض أو تكملة ما شابها من نقص كشفة عنه الممارسة العملية وأخيراً فقد يصل الأمر إلى حد تعديل تلك النصوص سواء بالإضافة عليها أو بالحذف منها ويطلق على العرف في الحالة الأولى مصطلح (العرف المفسر) وفي الحالة الثانية (العرف المكمل ) وفي الحالة الأخيرة (العرف المعدل) . (1)
أولا: العرف المفسر
وهو الذي يهدف إلى تفسير النص المكتوب وإجلاء غموضه وتوضيح معناه ، أي أن أثره يقتصر على تفسير نص من النصوص ، دون أن يتعدى ذلك إلى إنشاء قاعدة قانونية جديدة ومن ثم يعتبر العرف المفسر جزء من النص المكتوب الذي يقوم بتفسيره فيكون له ذات المرتبة القانونية التي يتمتع بها النص. (2)
ويضيف الدكتور محمد عبيد إلى ذلك فيقول:  (( يقوم العرف المفسر في حاله ما إذا وجد نص غامض أو غير واضح من نصوص الوثيقة الدستورية المسماة بالدستور ، وذلك بغرض بيان المعنى المقصود منه وتحديده تحديداً واضحاً يزيل ما يشوبه من غموض وإبهام ومن ثم فإن العرف المفسر لا يقوم إلا حيث يوجد نص غامض أو مبهم في الدستور ، فإذا كانت النصوص واضحة وضوحًا لا شبهه فيه ، فلا مجال عندئذ للتفسير  كما أنه لا يجوز استنادا إلى التفسير الخروج بالنص عن معناه الأصلي.
ومن الأمثلة التي جرى الفقهاء على ذكرها للعرف المفسر، ما تواتر عليه العمل في فرنسا، في ظل أحكام دستور الجمهورية الثالثة الصادر عام 1875، بالنسبة لسلطات رئيس الجمهورية في إصدار اللوائح التنفيذية على الرغم من خلو الدستور من نص صريح على ذلك ، فقد نصت المادة الثالثة من هذا الدستور على أن رئيس الجمهورية يكفل تنفيذ القوانين وقد جرى العرف تفسيراً لهذا النص على أن كفالة تنفيذ القوانين لا تكون إلا بإمكانية إصدار اللوائح اللازمة لتنفيذها ، وبالتالي فإن اختصاص رئيس الجمهورية بتنفيذ القانون يتضمن سلطة في إصدار اللوائح التنفيذية )). (3)

1ـ منقول بتصرف ـ دكتور محمد كامل عبيد ـ المرجع السابق  ـ صفحة 89.
2ـدكتور محمود سامي جمال الدين ـ المرجع السابق ـ صفحة 35. 3
ـ دكتور محمد كامل عبيد ـ المرجع السابق  ـ صفحة 89. 


ثانياً: العرف المكمل
العرف المكمل الذي يعمل على سد النقص في النصوص المكتوبة ، فيتولى تنظيم مسألة لم يسبق تنظيمها ولذالك فهو لا يستند إلى نص مكتوب كالعرف المفسر .(1)
ويضيف الدكتور محمد عبيد إلى ذلك فيقول: (( وعلى عكس العرف المفسر الذي يقوم بإزالة ما غمض من نصوص الوثيقة الدستورية ، فإن مضمون العرف المكمل ، يتمثل في إنشاء حكم جديد لتكملة ما قد يشوب الوثيقة الدستورية من نقص ، ومن ثم ينصرف أثرة إلى تنظيم موضوعات لم تتناولها أو تتعرض لها تلك الوثيقة أصلاً .
ومن أمثلة العرف المكملة الشهيرة ، إغفال الدستور الفرنسي الصادر في عام 1875 أوضاع انتخاب مجلس النواب رغم النص على الأخذ بمبدأ الاقتراع العام ، ولقد جاء العرف المكمل المستقر منذ دستور عام 1848 مكملاً هذا النقص ، بجعل الانتخاب مباشراً ومن هذه الأمثلة الشهيرة أيضاً ما ذكره الأستاذ "لافرير" عن القاعدة التي لا تجيز عقد قرض عمومي في فرنسا ، إلا إذا صدر قانون يأذن به .
فهذه القاعدة قد نص عليها القانون الصادر عام 1815 ثم أقرها دستور 1815 إلا أن الدساتير اللاحقة عليه لم تنص عليها ، لكنه وبالرغم من ذلك قد استقرت عن طريق العرف الدستوري المكمل)) . (2)







ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ ـدكتور محمود سامي جمال الدين ـ المرجع السابق ـ صفحة 35.
 2ـ دكتور محمد كامل عبيد ـ المرجع السابق  ـ صفحة 90ـ 91.

ثالثاً: العرف المعدل
قد يصل العرف كمصدر من مصادر القواعد الدستورية إلى الحد الذي يؤدي إلى تعديل بعض الأحكام التي تتضمنها الوثيقة الدستورية المسماة بالدستور ، سواء كان ذلك بإضافة عليها أو بالحذف منها ، فالمقصود بداية بالعرف المعدل ، وهو العرف الذي يخالف أحد نصوص الوثيقة الدستورية ومن ثم ينصرف أثرة إلى تعديل الأحكام التي أوردها المشرع الدستوري بصدد موضوع معين ، وذلك إما بالإضافة إلى تلك الأحكام أم بالحذف منها ، وتعديل النص الدستوري على هذا النحو يأتي على خلاف العرف المكمل الذي ينظم موضوعاً لم يتعرض له المشرع الدستوري بالتنظيم أصلاً ، وعلى ذلك يأخذ العرف المعدل إحدى صورتين أهمها :
1 - التعديل بالإضافة :
يكون التعديل بالإضافة حين يهدف العرف إلى منح هيئة من الهيئات الحاكمة سلطة جديدة لم يقرها لها الدستور ، مما يتضمن إضافة أحكام جديدة لا يحتملها تفسير النص الموجود ، ويعتبر هذا النوع من التعديل من قبيل تعديل الأحكام التي أوردها المشرع الدستوري في شأن موضوع معين ، ومن أمثلة هذا النوع ما جرى علية العمل في مصر ، في ظل الدستور عام 1923 ن من إعطاء الحكومة حق إصدار لوائح البوليس لتنظيم الشئون المتعلقة بالأمن العام أو الصحة العامة أو السكينة العامة ، ذلك لأن الأصل في تنظيم تلك المسائل وجوب صدورها بقانون ، لأنها تفرض قيوداً على حريات الأفراد التي كفلها الدستور ، غير أن العرف قد جرى على حق الحكومة في إصدارها . 
التعديل بالحذف :
يكون التعديل بالحذف حينما يهدف العرف إلى إسقاط حق من  الحقوق أو اختصاص من الاختصاصات التي أقرها الدستور لهيئة من الهيئات الحاكمة ، وتفترض هذه الصورة من صور العرف المعدل أن يجري العمل على عدم استعمال إحدى هذه الهيئات لحق من حقوقها التي كلفها لها الدستور ، ومن الأمثلة التقليدية التي يذكرها الفقه في هذا الصدد ، ما جرى علية العمل في فرنسا ، في ظل دستور عام 1875 ، من عدم استخدام رئيس الجمهورية لحقه في حل مجلس النواب ، وفيما يتعلق بالقيمة القانونية للعرف المعدل ، فقد تباينت وجهات نظر الفقه الدستوري بصدده ، وتشعبت إلى اتجاهات ثلاثة .
فقد ذهب الاتجاه الأول إلى عدم مشروعية العرف المعدل ، وإلى عدم الإقرار له بأية قيمة قانونية ، ويستند أصحاب هذا الاتجاه إلى أن العرف لا يستطيع أن يعدل في الدساتير المكتوبة ، وخاصة الجامدة منها والتي تشترط إتباع إجراءات معينة لإحداث هذا التعديل ، وبناء على ذلك فإن العرف المعدل يعتبر انتهاكا صريحاً لنصوص الدستور .



أما الاتجاه الثاني فعلى النقيض من سابقه ، إذ يرى دعاته الاعتراف بمشروعية العرف المعدل ، على أساس أنه ليس إلا تعبيراً مباشراً عن إرادة الأمة صاحبة السيادة ، ولا جدال في حق الأمة في تعديل النصوص الدستورية التي كانت قد أقرتها من قبل ، على أن أنصار هذا الاتجاه قد انقسموا إلى فريقين ، أحدهما يرى أن للعرف المعدل نفس قوة النصوص الدستورية ، وليس مجرد قوة القوانين العادية ، بينما يرى ثانيهما أن قوة العرف المعدل تتساوى مع القوة القانونية للقوانين العادية .
أما الاتجاه الثالث فيفرق بين العرف المعدل بالإضافة والعرف المعدل بالحذف ، حيث يقر بمشروعية العرف المعدل بالإضافة ، ويمنحه ذات القوة القانونية التي تحوزها نصوص الدستور حتى ينتج أثره في تعديل هذه النصوص ، ولكنه لا يعترف بمشروعية العرف المعدل بالحذف ، ولا يقر بوجوده من الناحية العلمية ، وحتى إذا وجد فلا يمكن التسليم له بأية قيمة قانونية ، لأن عدم استعمال سلطة من السلطات العامة لحق من حقوقها الدستورية لا يسقط هذا الحق بالتقادم ، لأن في إمكانها استخدامه متى شاءت . (1)











ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ دكتور محمد كامل عبيد ـ المرجع السابق  ـ صفحة 93ـ 94.



المبحث الرابع

العرف والعادة الاتفاقية

عرفنا مما سبق أن العرف هو اعتياد الناس على سلوك معين مع اعتقادهم أن هذا السلوك ملزم لهم أما العادة فهي عرف لم يكتمل أو عرف في مرحلة التكوين ، لعدم شعور الأفراد بأنها ملزمة لهم ، ويشترك العرف والعادة في الركن المادي ، لكن العادة تتوقف عند هذا الحد  أما العرف فيتميز عنها بوجود الركن المعنوي .
إذاً : فالعادة مجرد اعتياد الناس وإتباعهم سلوك معين دون الاعتقاد بإلزاميته .
ويمكن القول بوجود نوعين من العادات : عادات خاصة بالمجاملات ، أو ما نطلق عليه العادات الاجتماعية ، كتقديم التهاني في المناسبات السارة ، والتعزية في المناسبات الغير سارة مثلاً ، وكذلك تبادل الهدايا في الأعياد والمناسبات المختلفة ، ويتميز هذا النوع من العادات بأنه ليس له قوة ملزمة من الناحية القانونية ، وهناك عادات خاصة بالمعاملات وهي التي تنشأ من أطراد سلوك الأفراد على نحو معين في مسألة تتعلق بمعاملاتهم وليس بالعلاقات الاجتماعية ، مثل العادة الجارية في بعض أسواق الخضر والفواكه التي تباع بالعدد بأن تعد المائة مائة وعشرين أو مائة وثلاثين حبه مثلاً .
والأصل في عادات المعاملات أنها غير ملزمة ، إلا إذا اتفقت عليها الأطراف صراحة أو ضمناً أو أحال إليها المشرع صراحة . (1)



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ دكتور محمد عزيز شكري ـ المرجع السابق ـ صفحة 133




نتائج التفرقة بين العرف والعادة

1ـ للمحكمة أن تطبق العرف من تلقاء نفسها ، ولو لم يتمسك به أحد الخصوم ، أما العادة فلا تطبقها المحكمة إلا إذا تمسك بها ذو الشأن .
2ـ إثبات وجود العرف يوكل القاضي ولا يقع على عاتق الخصوم ، كما هي الحال بالنسبة للعادة ، وجرى التعامل على إثبات العادات ، وخاصة التجارية منها ، بشهادات مكتوبة صدارة عن منظمات مهيمنة كغرف التجارة أو من قنصليات الدول في الخارج .
3ـ يطبق العرف إذا ما توافرت شروطه ، على الناس كافة علموا به أم لم يعلموا ، تطبيقاً لقاعدة عدم الاعتذار بالجهل بالقانون ، أما العادة فيلزم تطبيقها ليس فقط علم الأفراد بها وإنما انصراف إرادتهم إلى الأخذ بها .
ونظراً ما للعرف من مثالب عديدة ، بالرغم من بعض مزاياه فقد تراجع العرف ، وضعفت قيمته ، وتقدم التشريع عليه ، لكن ذلك لا يعني إمكانية الاستغناء عنه ، بل مازال للعرف أهمية كبرى بين مصادر القانون ، فالتشريع لا يستطيع أن يحوي جميع القواعد القانونية اللازمة كما أن المصلحة قد تقضي أحياناً ، ترك بعض الأمور للأعراف لتنظيمها . (1)






ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ دكتور محمد عزيز شكري ـ المرجع السابق ـ صفحة 133



الخاتمة

ويلعب العرف دوراً خاصاً في حالة عدم وجود دستور مكتوب متكامل للولايات أو الدويلات قبل تشكيل فيما بينها دولة اتحادية كما حدث في الإمارات الأعضاء في دولة الإمارات العربية المتحدة ، فلم تكن لهذه الإمارات دساتير مكتوبة عند تأسيس دولة الإتحاد عام 1971 ، لأنها لم تكن دولة كاملة السيادة ، غير أن أعرافاً قد استقرت بكل منها فيما يتعلق بتنظيم شؤون سلطاتها الداخلية ، إلى جانب بعض التشريعات الصادرة من حكامها في هذا المجال .
ولا شك أن للعرف مزاياه التي أهمها تجاوبه مع ظروف المجتمع الذي يحكمه ، ومرونته لمسايرة ما يطرأ على تكل الظروف من تطورات ، ولا أحد ينكر أن كثيراً من القواعد الدستورية المكتوبة تجد أصولها في أعراف جرى العمل عليها ، وأقتصر دور التشريع على تدوينها وتأكيد وجودها . (1)









ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ أنظمة الحكم ودستور الإمارات ـ الدكتور ماجد راغب الحلو ـ مكتبة العين الوطنية ـ صفحة 37-38


المراجع

1ـ الموسوعة العربية ، المجلد 13 ، الطبعة الأولى ، مؤسسة الصالحاني للنشر والطباعة .
2ـ المبادئ الأساسية في القانون الإداري لدولة الإمارات العربية المتحدة
دكتور محمود سامي جمال الدين ، الطبعة الثانية ، دار القلم .
3ـ الموسوعة العربية العالمية ، المجلد 16 ، الطبعة الأولى ، مؤسسة أعمال الموسوعة للنشر والتوزيع .
4ـ نظم الحكم ودستور الإمارات ، دكتور محمد كامل عبيد ، الطبعة الثالثة ، منشورات كلية شرطة دبي .
5ـ أنظمة الحكم ودستور الإمارات ، الدكتور ماجد راغب الحلو ، مكتبة العين الوطنية 1982.
6ـ المدخل لدراسة القانون ، الدكتور محمود عبد الحكم ، المكتبة العصرية ، 2009.













الفهرس


الموضوع                                                                                                           الصفحة

المقدمة                                                                                                                1
المبحث الأول : تعريف العرف                                                                                      2
المبحث الثاني : أركان العرف                                                                                                                    4
المبحث الثالث : أنواع العرف                                                                                          6
المبحث الرابع : العرف والعادة الإتفاقية                                                                              10
الخاتمة                                                                                                                    12
المراجع                                                                                                                    14





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق